يحلّل هيسام حسنين، الباحث المتخصص في شؤون الشرق الأوسط والعلاقات العربية-الإسرائيلية، الكيفية التي تناور بها القاهرة وسط تصاعد التنافس بين السعودية والإمارات، في لحظة بات فيها الاقتصاد والأمن القومي المصريان مرتبطين بشكل وثيق بعاصمتي الخليج المتنافستين، ما يجعل أي انحياز صريح محفوفًا بالمخاطر.
يقدّم هذا التحليل، الصادر عن معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، قراءة مركّبة لاستراتيجية مصر القائمة على الموازنة الدقيقة بدل الاصطفاف، حيث تسعى القاهرة إلى تعظيم المكاسب الاقتصادية، وتقليل المخاطر الأمنية، والحفاظ على هامش من الاستقلال الاستراتيجي في ملفات تعتبرها «خطوطًا حمراء».
شرايين اقتصادية ومناورة محسوبة
تعتمد مصر اقتصاديًا على كلٍّ من السعودية والإمارات، لكن بطرق مختلفة. توفّر أبوظبي سيولة سريعة واستثمارات ضخمة، كما ظهر في صفقة رأس الحكمة عام 2023، التي ضخت مليارات الدولارات وساعدت على دعم الجنيه وتمويل مشروعات بنية تحتية كبرى. في المقابل، تمثّل الرياض ركيزة اقتصادية أكثر استدامة عبر ودائع طويلة الأجل لدى البنك المركزي، وإمدادات الطاقة بشروط ميسّرة، وتحويلات أكثر من مليون عامل مصري.
تدفع هذه المعادلة القاهرة إلى تنويع المخاطر بدل الارتهان لطرف واحد. تسعى مصر إلى موازنة النفوذ الإماراتي المتنامي في الأصول عالية القيمة عبر جذب استثمارات سعودية موازية، مستفيدة في الوقت نفسه من التنافس الهادئ بين الطرفين لتحسين شروط الصفقات والحفاظ على استمرار التدفقات المالية. يظهر هذا المنطق في تعامل الدولة مع موانئ استراتيجية مرتبطة بقناة السويس، حيث تسمح بدخول رؤوس أموال خليجية، لكنها ترفض التفريط في السيطرة شبه الكاملة على أصول سيادية.
يدخل العامل الإسرائيلي على الخط مع توسّع التعاون في مجال الغاز، إذ تخدم الإمدادات الإسرائيلية احتياجات السوق المصرية وتغذّي محطات التسييل، ما يعقّد حسابات الاستثمارات الخليجية في الموانئ والبنية اللوجستية المرتبطة بدور مصر كمركز إقليمي للطاقة.
السودان والبحر الأحمر: الأمن قبل كل شيء
يتعقّد التوازن المصري أكثر في السودان، حيث ترى القاهرة في الجيش السوداني شريكًا مؤسسيًا لا غنى عنه لحماية الحدود الجنوبية وضمان استقرار الدولة والحفاظ على أمن المياه. في المقابل، تُثار اتهامات متكررة بدعم إماراتي لقوات الدعم السريع، وهو ما تعتبره مصر تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي بسبب مخاطر تفكك الدولة وظهور فاعل مسلح غير منضبط على حدودها.
بدل المواجهة العلنية مع أبوظبي، تختار القاهرة تثبيت موقفها عبر مسارات تقودها السعودية، مثل منصة جدة، التي تؤكد على الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية وتجنّب الانهيار الشامل. تعكس هذه المقاربة رغبة مصر في الاصطفاف أمنيًا مع الرياض، مع تقليل الاحتكاك السياسي المباشر مع الإمارات.
ينسحب هذا المنطق على البحر الأحمر واليمن، حيث تتقاطع أولويات القاهرة والرياض حول أمن الملاحة بين قناة السويس وباب المندب، ودعم الحكومات المركزية، مقابل تحفّظ مصري على سياسات بناء النفوذ عبر الموانئ والوكلاء المحليين. تفضّل القاهرة العمل ضمن أطر أمنية إقليمية أوسع بدل الدخول في سجالات ثنائية علنية.
تحوّط استراتيجي وحدود الاختيار
لتجنّب الوقوع بين فكي المنافسة الخليجية، توسّع مصر خياراتها الخارجية. انضمامها إلى مجموعة بريكس في مطلع 2024 حمل رسالة سياسية أكثر منه حلًا ماليًا سريعًا، فيما اتسم الانفتاح على الصين وروسيا بطابع براغماتي محدود. في الوقت نفسه، حسّنت القاهرة علاقاتها مع قطر، وسعت إلى تطبيع تدريجي مع تركيا، وحافظت على قنوات اتصال مع إيران، في محاولة لتكريس صورة الدولة الإقليمية المستقلة.
مع ذلك، يظلّ كابوس القاهرة الحقيقي اندلاع قطيعة حادة بين السعودية والإمارات تمتد إلى ساحات أمنية مركزية. في هذا السيناريو، قد تدفع الجغرافيا والمصالح البحرية مصر إلى الميل نحو الرياض، ولو شكليًا، غير أن العلاقة الشخصية الوثيقة بين الرئيسين المصري والإماراتي قد تعقّد أي اصطفاف تلقائي. يمتلك الطرفان الخليجيان أدوات ضغط اقتصادية ناعمة، مثل إبطاء الاستثمارات أو تشديد شروط العمالة، لكن كليهما يتجنّب دفع مصر كليًا إلى معسكر الخصم.
يخلص التحليل إلى أن مصر ستواصل مقايضة الانفتاح الاقتصادي بهامش سياسي يسمح لها بالمناورة، مستخدمة التنافس الخليجي نفسه كرافعة. يدعو التحليل واشنطن إلى قراءة هذا السلوك بوصفه إشارة هشاشة لا انتهازية، وتشجيع أدوار خليجية متكاملة بدل تنافس صفري، مع دعم حوارات هادئة حول السودان واليمن وأمن البحر الأحمر، وأخذ تداخل ملف الطاقة مع إسرائيل في الحسبان. بهذه المساحة، قد تبقى مصر عامل استقرار نسبي بدل ساحة صراع إضافية.
https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/egypts-tightrope-walk-between-saudi-arabia-and-uae

